أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
12
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
إطلاقه على الناس والزمان بطريق الاشتراك أو الحقيقة والمجاز ؟ الراجح الثاني : لأن المجاز خير من الاشتراك . وإذا قلنا بالراجح فأيهما الحقيقة ؟ الظاهر : أنه القوم ، لأنه الغالب ما يطلق عليهم ، والغلبة مؤذنة بالأصالة غالبا . وقال ابن عطية : القرن أن يكون وفاة الأشياخ وولادة الأطفال ويظهر ذلك من قوله تعالى : وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ « 1 » . فجعله معنى ، وليس بواضح . وقيل : القرن : الناس المجتمعون . قلّت السنون أو كثرت ، واستدلوا بقوله عليه السّلام : « خير القرون قرني » وبقوله : 1875 - في الذّاهبين الأوّلي * ن من القرون لنا بصائر « 2 » وبقوله : 1876 - إذا ذهب القرن الّذي كنت فيهم * وخلّفت في قرن فأنت غريب « 3 » فأطلقوه على الناس بقيد الاجتماع . ثم اختلف الناس في كمية القرن حالة إطلاقه على الزمان ، فالجمهور : أنه مائة سنة ، واستدلوا بقوله عليه السّلام : « تعيش قرنا فعاش مائة سنة » . وقيل : مائة وعشرون ، قاله إياس بن معاوية « 4 » ، وزرارة بن أبي أوفى « 5 » . وقيل : ثمانون ، نقله صالح عن ابن عباس ، وقيل : سبعون ، قاله الفراء ، وقيل : ستون ، لقوله عليه السّلام : « معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين « 6 » . وقيل : أربعون ، حكاه محمد بن سيرين ، يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكذلك الزهراوي أيضا يرفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : ثلاثون ، حكاه النقاش . وعن أبي عبيدة كانوا يرون أن ما بين القرنين ثلاثون سنة . وقيل : عشرون ، وهو رأي الحسن البصري . وقيل ثمانية وعشرون عاما . وقيل : هو المقدار الوسط ، من أعمار أهل ذلك الزمان ، واستحسن هذا بأن أهل الزمن القديم كانوا يعيشون أربعمائة سنة ، وثلاثمائة ، وألفا ، وأكثر وأقل . وقدّر بعض النّاس - في قوله تعالى : كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ « 7 » - : أهلا أي : أهل قرن ، لأن القرن الزمان . ولا حاجة إلى ذلك إلّا على اعتقاد أنه حقيقة فيه ، مجاز في الناس ، وقد قدّمت أن الراجح خلافه . قوله : « مِدْراراً » حال من السماء إن أريد بها السحاب ، فإنّ السحاب يوصف بكثرة التتابع أيضا . وإن أريد به الماء فكذلك ، ويدل على أنه يراد به الماء قوله في الحديث : « في إثر سماء كانت من الليل » ، ويقولون : ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم ومنه : 1877 - إذا نزل السّماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا « 8 » أي : رعينا ما ينشأ عنه . وإن أريد بها هذه المظلة ، فلا بدّ من حذف مضاف حينئذ ، أي : مطر السماء ، ويكون مدرارا حالا منه . ومدرارا مفعال ، وهو للمبالغة كامرأة مذكار ومئناث ، قالوا : وأصله : من در اللبن ، وهو
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 6 ) . ( 2 ) تقدم قريبا . ( 3 ) البيت لأبي العتاهية انظر ديوانه ( 34 ) ، البحر ( 4 / 66 ) ، القرطبي ( 6 / 252 ) ، اللسان « قَرْنٍ » البحر المحيط ( 4 / 66 ) . ( 4 ) إياس بن معاوية بن قرة المزني قاضي البصرة توفي سنة 122 ه انظر الأعلام ( 2 / 33 ) . ( 5 ) هو زرارة بن أبي أوفى العامري البصري قاضي البصرة ثقة انظر سير أعلام النبلاء ( 4 / 515 ) ، طبقات ابن سعد ( 7 / 150 ) ، شذرات الذهب ( 1 / 102 ) . ( 6 ) انظر تفسير القرطبي ( 5 / 145 ، ابن كثير ( 9 / 541 ) . ( 7 ) سورة الأنعام ، آية ( 6 ) . ( 8 ) البيت لمعود الحكماء انظر تأويل مشكل القرآن ( 135 ) ، الأصمعيات ( 214 ) ، الصاحبي ( 63 ) ، معجم الشعراء ( 391 ) ، المفضليات ( 359 ) ، الصناعتين ( 212 ) ، معجم مقاييس اللغة ( 3 / 98 ) ، العمدة ( 1 / 237 ) ، وفيه النسبة لجرير بن عطية . معاهد التنصيص ( 2 / 260 ) .